الأربعاء، 21 مارس 2018

فيلم الفدائيين الذي تحول صنّاعه إلى شهداء حقيقيين !



الواقع قد يكون أشد غرابة من الخيال أحيانأً، ومأساة صنّاع فيلم "كلنا فدائيون" تستحق هي نفسها أن تتحول إلى فيلم سينمائي، فلعلها المرة الأولى وربما الأخيرة في تاريخ السينما التي استشهد فيها طاقم عمل الفيلم بالكامل خلال التصوير بمن فيهم المنتج والمخرج وعدد من الممثلين، هذه هي الحكاية المنسية لشهداء السينما اللبنانية الذين لم يعد أحد يتذكرهم اليوم !

ففي أواخر الستينات وبعيد نكسة 67 تصاعد العمل الفدائي وتحولت بيروت في ظل الحضور الفلسطيني المسلح فيها ووجود شريحة واسعة من اللبنانيين المتعاطفين مع القضية الفلسطينية خاصة في الأوساط القومية واليسارية، تحولت إلى مركز ثقافي وفكري داعم للكفاح المسلح، وشكلت السينما جانباً هاماً من هذه الحالة، فظهر عدد من الأفلام التي تمجد بطولات الفدائيين الفلسطينيين مثل "الفلسطيني الثائر" و"الطريق إلى القدس" وغيرها من الأفلام التي باتت بحكم المنسية اليوم خاصة أن المحطات الفضائية لا تقوم بعرضها.

ومن تلك الأفلام فيلم "كلنا فدائيون" الذي انتج عام 1968 وله قصة تستحق أن تروى لتتذكرها الأجيال اللاحقة، فخلال تصوير المشهد الأخير من الفيلم ليلة السبت - الأحد  الخامس من تشرين الأول أكتوبر 1968 في استريو "البورغاتوار" بمنطقة الحازمية ببيروت، وكان مشهد تفجير يقوم به فدائي فلسطيني انتقاماً لرفاقه الذين قتلتهم قوات الاحتلال، وكان من المفترض أن المكان الذي يتم تفجيره هو بار في تل أبيب يدعى "بار استير"، أمر المخرج بتفجير المفرقعات الخلبية وبدء التصوير، لكن الانفجار الذي وقع كان حقيقياً، وكما تبين لاحقاً فقد قام أحدهم باستبدال المتفجرات الخلبية بأخرى حقيقية، أدت لتدمير موقع التصوير واستشهاد عشرين شخصاً من بينهم المنتج الكبير أدمون نحاس (أحد مؤسسي استديو نحاس الشهير في مصر)، مخرج العمل كاري كربيتيان، الممثل الشاب سامي عطار، الممثلة الشابة منى سليم المعروفة باسمها الفني "تغريد"، المصور سركيس غوغونيان، صاحب الاستريو جورج غصن وابنة أخته كوليت ناصيف عبد الساتر (16 عاماً).


منى سليم في لقطة من الفيلم

بعيد الحادث أجرى الأمن العام اللبناني تحقيقاته والتي رافقتها تسريبات إعلامية عديدة نشرتها الصحافة اللبنانية وقتها وأشار بعضها إلى احتمال تورط بعض الإيطاليين الذي كانوا مساهمين في إنتاج الفيلم والذين بينت التحقيقات أنهم كانوا ينوون بيع نسخة منه إلى إسرائيل، كما روت التسريبات أن انفجاراً آخر كان قد وقع سابقاً خلال تصوير الفيلم لكن الممثلين نجوا منه بأعجوبة، في النهاية لم تكشف تحقيقات الأمن العام حقيقة ما حدث في استريو "البورغاتوار" ومع مرور السنين طوى النسيان الملف مثل كثير من االحوادث الأمنية التي شهدها لبنان وظلت ملابساتها غامضة حتى يومنا هذا. 

في عددها رقم 664 الصادر يوم 14 أكتوبر تشرين الأول 1968 نقلت مجلة "الشبكة" اللبنانية عن الفنانة الشابة منى سليم التي كانت ما تزال تصارع الموت على فراشها في مشفى الجامعة الأمريكية ببيروت وقد تشوه جسدها الذي تحول إلى كتلة من الجروح والحروق، تساؤلها بكل مرارة : "هل أصبحنا كلنا فدائيين !". 

أما المخرج كاري كربيتيان وهو أرمني الأصل عراقي المولد، ولد في بغداد عام 1935 ودرس الإخراج في الولايات المتحدة، وعمل مخرجاً في تلفزيون لبنان منذ تأسيسه عام 1959، فقد أشارت التحقيقات إلى أنه كان قادراً على النجاة بنفسه من الحريق، إلا أنه أبى أن يغادر الاستريو إلا بعد أن يساعد كل رفاقه المصابين، فكانت النتيجة أن مات اختناقاً، وقد كان كاري يحضر قبل وفاته لفيلم آخر عن العمل الفدائي يحمل عنوان "ياشا مصطفى"، وياشا كلمة أرمنية معانا عاش في حين أن مصطفى هو إسم الفدائي الذي تدور حوله قصة الفيلم. 


جزء من الاستريو المحترق وفي الإطار صور شهيد الفن كاري كربيتيان (من أرشيف محمد جبوري)

شاهد أيضاً :

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق