‏إظهار الرسائل ذات التسميات صدام حسين. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات صدام حسين. إظهار كافة الرسائل

الخميس، 21 نوفمبر 2019

فيلم "الأيام الطويلة" : قصة حياة صدّام التي تقاطع فيها الواقع مع الخيال !


صدّام كامل في الفيلم

في عام 1975 روى نائب الرئيس العراقي آنذاك صدّام حسين للشاعر عبد الأمير معلة قصة نشأته وشبابه المبكر حين كان عضواً في حزب البعث العربي الاشتراكي وشارك في محاول اغتيال رئيس العراق عبد الكريم قاسم، معلة حوّل حكاية صدّام هذه إلى رواية أطلق عليها إسم "الأيام الطويلة" صدرت عام 1978 بعد أن نالت المسودة إعجاب صدّام حسين الذي صعد في العام التالي إلى كرسي الرئاسة الأول بعد أن أزاح معلمّه أحمد حسن البكر وحصد رؤوس رفاقه ومنافسيه في حزب البعث في جلسة مشهودة شهدتها قاعة الخلد ليبدأ عصر الخوف والحكم الفردي المطلق. 

بعد صعوده للسلطة قرر صدّام تحويل رواية "الأيام الطويلة" إلى فيلم سينمائي يخلد مسيرته النضالية، وقد وقع الاخيار على المخرج المصري توفيق صالح لإنجاز الفيلم، وهو مخرج معروف بانتمائه إلى تيار اليسار الماركسي حيث كان في رصيده العديد من الأفلام السياسية المثيرة للجدل مثل "المتمردون" عام 1968، و"المخدوعون" عام 1972. وقد تمثلت المهمة الأصعب للمخرج في اختيار الممثل الذي سيقوم بدور صدّام، وقد وضعت شروط صارمة كان من الضروري توفرها في الممثل الذي سيتصدى لدور المناضل البعثي الشاب، كان يجب أن لا يكون للممثل أي تاريخ شخصي مشين يلوث سمعته وأن لا يكون قد مثل أدواراً لا تليق بأن يمثل بعدها دور الرئيس القائد، وأن يكون متمكناً من التمثيل ليؤدي شخصية (مركبة) بالمعنى الدرامي والسيكولوجي. يقول المخرج بأنه ذهب إلى تكريت ليطلع على حياة الرئيس في مسقط رأسه، واصطدم نظره بشاب في العشرين من عمره يسير في الشارع يشبه كثيراً شخص الرئيس  في شبابه، ليكتشف لاحقاً بأن هذا الشاب هو ابن عم الرئيس ويدعى صدام كامل !


المخرج توفيق صالح

صدّام كامل ابن عم صدّام حسين وأحد مرافقيه الشخصيين وشقيق حسين كامل الضابط اللامع في الحرس الجمهوري كان غريباً عن أجواء السينما والتمثيل، لذلك وجب على المخرج أن يدربه على أساسيات هذا الفن، كما كان عليه أن يتعامل مع مزاج صدّام المتقلب وخشية طاقم عمل الفيلم منه بسبب موقعه الأمني، هكذا تم تصوير الفيلم الذي تدور معظم أحداثه حول محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم الفاشلة التي تمت عام 1959 واصيب صدّام على إثرها برصاصة في ساقه وحول فرار صدّام ورفاقه إلى سورية عبر الصحراء. وعند الانتهاء من تصوير الفيلم تم تسليم الأشرطة إلى المؤسسة العامة للسينما حتى تقوم بطباعة وتوزيع الفيلم على دور السينما في العراق والخارج.

يتحدث المخرج توفيق صالح عن هذه الفترة فيقول : "عندما أنهيت إخراج الفيلم وطباعة عدد كبير من النسخ تم توزيعها على كل صالات السينما في العراق ليعرض الفيلم في ليلة واحدة، وفيما منحت فسحة للاستراحة في بحيرة الحبانية أنا وعائلتي، فوجئت في اليوم الأول للاستراحة بوصول مدير مؤسسة السينما الذي أعلمني بضرورة الذهاب فوراً إلى القصر الجمهوري فالرئيس يريد أن ألتقيه. وعندما سألته عن السبب رفض الحديث وقال لي لا أعرف. وصلت إلى القصر الجمهوري. وأدخلت في صالة انتظار. ثم دعيت للدخول، فوجدت نفسي في صالة عرض سينمائية داخل القصر ، وكان الرئيس يجلس مع زوجته في الصف الأول  وفي الصف التالي جلس طارق عزيز وناصيف عواد ووزير الإعلام لطيف نصيف جاسم وعزة الدوري وآخرون لم أعرفهم ، وبدأ عرض الفيلم. وعندما وصل الشريط إلى المشهد الذي صورت فيه شخصية صّدام حسين والطبيب يخرج رصاصة من ساقه، تلك التي أصيب بها أثناء محاولة اغتيال عبد الكريم قاسم، طلب الرئيس إيقاف عرض الفيلم. كانت اللقطة تصور وجه صدّام حسين (الممثل صدّام كامل) على الشاشة وهو يعبر عن ألم خفيف كردة فعل لإخراج الرصاصة من ساقه في عملية جراحية بدون تخدير تمت في مخبأ حزبي. هنا صاح صدّام حسين مخاطباً أحد الحاضرين وكان هو نفسه الطبيب الذي أخرج الرصاصة من ساق الرئيس عام 1959. قال : عندما أخرجت الرصاصة من ساقي، هل تأوهت أنا من الألم؟ فقال الطبيب : أبدا يا سيدي.  فقال له : قل ذلك لمخرج الفيلم. هنا حاول وزير الإعلام  أن يتدخل قائلاً : والله اللقطة حلوة سيدي، ولم يظهر المخرج سوى تألم بسيط.  فصاح به الرئيس : أسكت .. أنت ما تفتهم شي. ثم قالوا لي نريد حلاً الليلة وغداً يجب أن تتبدل كافة النسخ في صالات السينما عند الافتتاح! ماذا بوسع مخرج يحتاج إلى الممثل وماكيير ومسؤول إنارة ومصوّر ومهندس صوت وفيلم خام وطبع وتحميض ومونتاج لتغيير لقطة طولها بضعة ثوان يتم إدخالها في عشرات النسخ من الفيلم. يقول المخرج : فجأة قفزت  إلى ذهني صورة بطل الفيلم عندما كان ينتظر أداء دوره يوماً وكان صامتا فالتقط له المصور لقطة سينمائية وهو في صمته ينتظر دوره. تذكرت اللقطة، فهرعت إلى مؤسسة السينما ومن بين ركام آلاف الأمتار المرمية في سلال المهملات، بدأنا نبحث عن لقطة البطل وهو صامت فعثرنا عليها وقمنا بطباعتها  واستنفرت مؤسسة السينما بأسرها لتعيد طبع تلك البكرات وتنطلق السيارات في اليوم الثاني إلى كل مدن العراق وإلى صالات السينما لإبدال بكرات الفيلم التي يظهر فيها الرئيس متألما قليلاً من طلقة  تخرج من ساقه بدون مخدر، فيظهر صامتا صامداً لا يعرف الألم!".


لقطة من الفيلم

وبعيداً عن الفيلم وكل ما صاحبه من دراما سواء أمام الكاميرا أو في كواليس التصوير، فقد شهدت السنوات اللاحقة دراما من نوع آخر تشبه في قسوتها وتراجيديتها الملاحم الإغريقية، فصدّام شبيه الرئيس وسميّه وابن وعمه وممثل شخصيته على الشاشة تزوج هو وشقيقه من ابنتي الرئيس، هكذا صعد الشقيقان إلى أعلى سلم السلطة في عراق الثمانينات وبداية التسعينات، حتى انهار كل شيء ذات ليلة حين قرر صدّام وحسين كامل الفرار إلى الأردن مع زوجتيهما والأطفال، قبل أن يعودا إلى العراق بعفو رئاسي، ثم يقتلا يوم 23 شباط فبراير 1996 على يد رجال من أبناء العشيرة وبتكليف من الرئيس. هكذا مات الرئيس في الدراما، مات بطل "الأيام الطويلة" صدام كامل، وأعلن خائناً في طول البلاد وعرضها. وبذلك أصبح الفيلم ممنوعاً من العرض !

أراد صدّام إنتاج نسخة جديدة من الفيلم، لكن عوائق كثيرة حالت دون ذلك منها عدم العثور على ممثل بالمواصفات المطلوبة ووفاة مؤلف الرواية الذي كان يعد جزءاً ثانياً منها، وأخيراً احتلال العراق وسقوط نظام صدّام حسين بكل رموزه الأيديولوجية. 


شاهد أيضاً:

الأربعاء، 7 مارس 2018

"المسألة الكبرى" : فيلم عراقي بمواصفات هوليودية كلّف صدام 30 مليون دولار ولم يجد من يشتريه !




في ثمانينات  القرن الماضي حاول النظام البعثي في العراق  إعادة  تشكيل تاريخ العراق وفقاً لفكر حزب البعث وقائده صدام حسين وسخر في سبيل ذلك مختلف وسائل الإعلام والثقافة بما فيها السينما، فأنتج فيلم "الأيام الطويلة" الذي جسد بصورة ملحمية المرحلة المبكرة من حياة صدام حسين ومشاركته في محاولة الاغتيال الفاشلة التي أقدم عليها البعثيون عام 1959 بحق الزعيم عبد الكريم قاسم ولعب دور صدام في هذا الفيلم قريبه ومرافقه الشخصي صدام كامل الذي أصبح صهره فيما بعد، ثم أحد ضحاياه لاحقاً !

كما قدم النظام البعثي إنتاجاً سينمائياً ضخماً بعنوان "القادسية" من توقيع صلاح أبو سيف ولعب أدوار البطولة فيه كبار نجوم السينما في مصر والعالم العربي أمثال عزت العلايلي وسعاد حسني، وذلك في عودة إلى التاريخ لمحاكاة  الصراع مع الفرس في عهود الإسلام الأولى، ومقاربته مع حرب صدام التي شنها ضد إيران عام 1980 وأطلقت عليها وسائل الدعاية والإعلام العراقية آنذاك إسم "قادسية صدام المجيدة".

لكن المحاولة الأضخم للسينما العراقية في هذه المرحلة تظل فيلم "المسألة الكبرى" الذي أنتج عام 1983 عن ثورة العشرين ضد الاحتلال البريطاني، وقد لعب أدوار البطولة في الفيلم كل من غازي التكريتي في دور الشيخ ضاري المحمود أحد أبطال الثورة، ومجموعة من أبرز الممثلين البريطاني في مقدمتهم النجم الهوليودي أوليفر ريد الذي عرفه الجمهور العربي سابقاً في دور الجنرال غراتسياني في فيلم "عمر المختار" للمخرج السوري العالمي مصطفى العقاد، حيث لعب أوليفر ريد هذه المرة دور الكولونيل لجمان الضابط البريطاني المتغطرس الذي ينتهي به الأمر مقتولاً على يد الشيخ ضاري. 


غازي التكريتي في دور الشيخ ضاري 

في عام 2016 بث في بريطانيا وثائقي بعنوان "صدام حسين يذهب إلى هوليوود" قام فيه عدد من الممثلين والفنيين البريطانيين بقص حكاية تصوير هذا الفيلم، وكيف تعاملوا مع الصعوبات التي رافقت تصويره بالتزامن مع ظروف الحرب العراقية الإيرانية.

فقد اعترف الممثلون أن المال هو ما نجح في جذبهم للاشتراك في هذا الفيلم، إذ كان الممثلون أصحاب الأدوار الصغيرة يتقاضون ألف جنيه استرليني في الأسبوع وهو أجر عالٍ بمقاييس ذلك الوقت، مشيرين في الآن نفسه إلى أنهم في البداية لم يكونوا مدركين خطورة ما هم مقبلون عليه، حيث يقول الممثل مارك بينفولد أن  الأمر بدأ يتضح لهم عندما دخلت طائرتهم الأجواء العراقية ولاحظوا أن طائرةً حربية ترافق طائرتهم، حينها فقط شعر الممثلون بجدية ما هم مقدمون عليه.

ويضيف الممثلون أن ما سبب إزعاجاً حقيقياً لهم كان شخصية أوليفر ريد الماجنة وشديدة التقلب، فقد كان ريد مدمناً على الكحول وقد اصطحب معه صديقته المراهقة جوسفين بورج ابنة ال 17 عاماً والتي أصبحت زوجته فيما بعد، كما كان يحب أن يبدأ يومه بتناول كأس كبيرة من الخمر،  ويستمر في الشرب بنهم حتى المساء، وأحياناً كان يخلط زجاجة كونياك مع زجاجة شامبانيا في دلو من الثلج ويشرب منه، ثم يتبع ذلك سلوكيات غريبة كاقتحام غرف زملائه في الفندق والشجار معهم بالأيدي، كما كان يتشاجر مع عمال الفندق خاصة إذا تأخروا في تلبية طلباته.


صورة ملتقطة خلال تصوير الفيلم

وذات ليلة تخطى أوليفر ريد كل الحدود، حيث يروي زملاؤه أنه كان في مطعم الفندق، وقد أفرغ زجاجة نبيذ كاملة، ثم تبوّل فيها، واستدعى النادل وطلب منه أن يعطي زجاجة النبيذ هذه إلى الطاولة المجاورة مع فائق تحياته ! هذا التصرف وغيره جعل المسؤولين العراقيين يطالبون باستبعاد ريد واستبداله بممثل آخر لكن فريق عمل الفيلم أصر على بقاءه.

الفيلم الذي كتب قصته وأخرجه محمد شكري جميل بأوامر من صدام حسين شخصياً كلف العراق 30 مليون دولار وهو مبلغ يقارب ما تم إنفاقه على الجزء الثاني من فيلم "حرب النجوم" مثلاً، وقد عرض في عدد من المهرجانات العالمية كمهرجاني لندن وموسكو، لكنه لم يجد من يشتريه خارج العراق، فلم يحقق الفيلم أي إيرادات تذكر واكتفى التلفزيون العراقي والفضائية العراقية لاحقاً بعرضه من وقت لآخر حتى سقوط نظام صدام حسين واحتلال العراق عام 2003.





شاهد أيضاً :

السبت، 17 يونيو 2017

صراعات "داحس و الغبراء" العربية العربية : دماء و دموع و طاقات مهدورة




عرف القرن العشرون تأسيس الدولة العربية الحديثة بعد نيل الإستقلال عن الاحتلال العثماني و الإستعمار الأوروبي، و رغم أن ما يجمع العرب أكثر بكثير مما يفرقهم، إلا أن اختلاف الأنظمة الحاكمة في الدول العربية قاد إلى خلافات عربية عربية وصلت في بعض الأحيان إلى حد الاقتتال المباشر بين أبناء الأمة الواحدة، و ما الخلاف الأخير بين قطر من جهة و السعودية و البحرين و الإمارات و مصر من جهة ثانية إلا حلقة جديدة من مسلسل الصراعات هذا الذي نورد لكم هنا أبرز فصوله : 

الصراع السعودي الهاشمي : 

مع سقوط الدولة العثمانية رفع الهاشميون حكام الحجاز راية الثورة العربية داعين إلى إقامة دولة عربية واحدة تضم بلاد الشام و الجزيرة العربية تحت حكمهم و رعاية حليفتهم بريطانيا، إلا أن الهاشميين اكتفوا بعد اصطدامهم بواقع اتفاقية سايكس بيكو و وعد بلفور بمملكة الحجاز تحت حكم الشريف حسين، و مملكة العراق تحت حكم ابنه فيصل،و إمارة شرق الأردن تحت حكم ابنه الآخر عبد الله، و في الجزيرة العربية كان على الهاشميين مواجهة الطموحات المتعاظمة لعبد العزيز بن سعود حاكم نجد، الذي اجتاح جيشه المدجج بالعقيدة الوهابية مملكة الحجاز الوليدة فاستولى على مكة و المدينة و وصل حتى ميناء جدة، و كاد أن يتمدد شمالاً ليهدد ملك الهاشميين في العراق و شرق الأردن لولا أن الطائرات البريطانية تدخلت لردعه، هذا الصراع بين العائلتين سوف يمتد تأثيره لعقود لاحقة حيث يروى عن الملك حسين حاكم الأردن أنه كان كثيراً ما يحدث زائريه بحزن و هو يشير إلى موقع الأردن على الخريطة قائلاً "هنا ملك بلا مملكة"، ثم يشير إلى موقع السعودية و يقول "و هنا مملكة بلا ملك"، متحسراً على ملك أجداده الهاشميين الذي كان يعتبر بان السعوديين قد قاموا باغتصابه عنوة. 

عبد الناصر و خصومه : 

شكل وصول جمال عبد الناصر إلى السلطة في مصر حاملاً معه مشروع التحرر الوطني و حلم القومية العربية، تحدياً كبيراً لا لإسرائيل و قوى الإستعمار الغربي فحسب، إنما لأدواتهم من الأنظمة الرجعية العربية أيضاً، و أولى معارك عبد الناصر الكبرى كانت مع نظام الهاشميين في العراق و حكومة نوري السعيد التي رعت تأسيس حلف بغداد المعادي للشيوعية و لمشروع القومية العربية، و قد انتهى هذا الصراع بسقوط النظام الهاشمي بانقلاب عسكري باركته القاهرة عام 1958. 

صراع آخر خاضه عبد الناصر ضد نظام كميل شمعون في لبنان، حين دعم الثورة المسلحة ضده و التي كادت أن تطيح به لولا تدخل المارينز الأمريكي الذي أنزل قواته على شواطئ بيروت عام 1958، ما أفضى إلى اتفاق أدى لانتخاب اللواء فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية.

واحدة من أبرز معارك عبد الناصر العربية و أكثرها دموية تمثلت بصراعه مع حاكم العراق عبد الكريم قاسم الذي تحالف مع الحزب الشيوعي و رفض انضمام العراق إثر ثورة 1958 إلى الجمهورية العربية المتحدة، في حين دعم نظام عبد الناصر خصومه من قوميين و بعثيين، و قد انتهى هذا الصراع بانقلاب 8 شباط فبراير 1963 الدموي الذي باركته القاهرة و أدى لمقتل عبد الكريم قاسم و اجتثاث وحشي للشيوعيين العراقيين.

أما أهم صراعات عبد الناصر العربية و أكثر تأثيراً فقد كان صراعه مع العربية السعودية، و الذي وصل إلى حد الحرب المباشرة فيما بينهما في اليمن التي دعمت مصر فيها الجمهوريين بقوات مصرية، في حين دعمت فيها السعودية الإمام المعزول، و يعتقد بعض المؤرخين و من بينهم محمد حسنين هيكل أن ملك السعودية فيصل بن عبد العزيز كان واحداً ممن عرفوا بموعد عدوان 5 حزيران يونيو 1967 قبل وقوعه عن طريق الجانب الإسرائيلي الذي كانت تربطه بالسعودية اتصالات سرية وثيقة، و قد بارك الملك هذا العدوان الذي كان برأيه ضربة لا بد منها لكسر شوكة النظام الناصري و حلفائه السوفييت الذين يمثلون -حسب رأيه- الخطر الأكبر على مملكته و على الإسلام.

الصراع على الصحراء الغربية :

خصومة طويلة و صراع مرير خاضته المغرب و الجزائر على قضية الصحراء الغربية و التي بدأت بعد جلاء الإسبان عن المنطقة عام 1976، حيث أراد المغرب ضم الصحراء إليه في حين دعمت الجزائر جبهة البوليساريو التي نادت باستقلال الصحراء الغربية.


الحرب المصرية الليبية : 

مثل الزعيم الليبي معمر القذافي منذ قيام ثورة الفاتح من أيلول سبتمبر 1969 أحد أهم حلفاء مصر الإقليميين، حيث قامت ليبيا بإغلاق القواعد الأمريكية على أراضيها و التي يعتقد البعض بأنها لعب دوراً هاماً في إلحاق الهزيمة بمصر عام 1967، كما ساهمت ليبيا بسخاء في دعم المجهود الحربي المصري عن طريق تمويل العديد من صفقات الأسلحة للجيش المصري و بخاصة الطائرات الحربية، كما شكل البلدان مع سوريا اتحاد الجمهوريات العربية الذي تم إعلان قيامه عام 1971، إلا أن مبادرة السادات المنفردة للسلام مع كيان الإحتلال أثارت حفيظة العقيد القذافي الذي دعا الليبيين إلى مسيرة كبرى أسماها "مسيرة نحو القاهرة" هدفها تجاوز الحدود بين مصر و ليبيا و تشجيع الشعب المصري على الإنضمام إلى المسيرة لإسقاط نظام السادات، و حين أوقف حرس الحدود المصري المسيرة رد الليبيون بإطلاق نيران مدافعهم على الجانب المصري، فردت مصر بقصف مواقع عسكرية ليبية بالطائرات، و بعد أيام قليلة من المناوشات المتبادلة على طرفي الحدود، تدخلت الجزائر و منظمة التحرير الفلسطينية لإنهاء الحرب و المصالحة ما بين البلدين. 


صراع البعثين : 

في عام 1963 وصل حزب البعث العربي الإشتراكي إلى السلطة في سوريا من خلال انقلاب عسكري أطلق عليه إسم ثورة الثامن من آذار مارس، في حين وصل البعثيون إلى السلطة في العراق عام 1968 بعد انقلاب أسموه ثورة 17-30 تموز يوليو، و قد أدى صراع الأجنحة داخل حزب البعث لانقسام حاد بين بعث العراق و بعث سوريا بلغ ذورته إثر وصول صدام حسين لرأس السلطة في العراق عام 1979 حيث اشتعلت حرب السيارات المفخخة و العمليات الإرهابية بين البلدين، فدعم العراق جماعة الإخوان المسلمين التي كانت تخوض حرباً مفتوحة مع نظام الرئيس حافظ الأسد، في حين دعمت دمشق حزب الدعوة الشيعي المعارض و الذي كان يسعى لإسقاط نظام صدام حسين بالقوة، الحرب العبثية بين جناحي البعث استمرت لسنوات طويلة و كانت نتيجتها استنزاف الكثير من طاقات البلدين و إزهاق أرواح الآلاف ممن سقطوا نتيجة التفجيرات و الاغتيالات المتبادلة أو نتيجة التعذيب في غياهب السجون حيث كان يلقى كل من يشك بتعاطفه مع الجناح المعارض من الحزب.

غزو الكويت : 

ربما كان غزو العراق للكويت عام 1990 نتيجة خلاف حدودي و مالي بين البلدين أسوأ فصل في تاريخ العلاقات العربية العربية حيث مثل تصدعاً خطيراً في النظام الرسمي العربي الذي فشل في حل الأزمة داخل البيت العربي فاستعانت الكويت و السعودية بالولايات المتحدة الأمريكية لطرد الجيش العراقي من الكويت و تدمير العراق و قتل مئات الآلاف من أهله، في حين طالت آثار تلك الحرب المدمرة كافة الشعوب العربية و بخاصة الشعب الفلسطيني.

شاهد أيضاً :

الخميس، 25 مايو 2017

الغناء للرؤساء و القادة : تأليه و نفاق أم محبة حقيقية ؟




لو نظرنا حولنا في معظم دول العالم سنجد أن كثيراً من الشعوب تتغنى بأسماء قادتها و أبطالها الوطنيين، لكن المعضلة في عالمنا العربي أن معظم الأغاني التي تتغنى بأسماء القادة و الزعماء تظهر في فترة يكونون فيها على رأس السلطة، ما يجعل من العسير التفريق فيما إذا كانت هذه الأغاني تندرج في باب النفاق و تأليه الحاكم، أو في باب المحبة الحقيقية. 

"أنتيكا" تستعرض لكم فيما يلي و بشكل مختصر أبرز الأمثلة على الأغاني التي مجدت القادة و الزعماء السياسيين على امتداد العالم العربي، علماً أن الحصر الشامل لهذا النوع من الأغاني أمر يتطلب مجلدات كاملة و بحثاً طويلاً في أرشيفات الإذاعات و التلفزيونات العربية، لكننا حاولنا في هذه العجالى حصر أهم الأمثلة و أكثرها شهرة و تأثيراً في ذاكرتنا. 

عهد الملك فاروق 

شهد عهد الملك فاروق في مصر بداية ظهور الأغاني التي تمجد الحاكم بالإسم، فغنت كوكب الشرق أم كلثوم مجموعة من القصائد في تمجيد فاروق أطلق عليها إسم "الفاروقيات"، من بينها قصيدة "الملك بين يديك" لأمير الشعراء أحمد شوقي، و "اجمعي يا مصر أزهار الأماني" من كلمات أحمد رامي. 

أما موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب فقد قدم أغنية "الشباب" من كلمات صالح جودت بمناسبة عيد جلوس الملك على العرش و التي يقول أحمد مقاطعها : "من كتر غيرتي عليك فى القلب خبيتك، و قلت لك يا فاروق القلب ده بيتك"، كما قدم من كلمات صالح جودت أيضاً أغنية "الفن" التي يقول فيها : "و الفن مين انصفه غير كلمة من مولاه، والفن مين شرفه غير الفاروق و رعاه".




عهد عبد الناصر 

في عهد ثورة يوليو ظهرت الأغاني التي تتغنى بالثورة و بالرئيس جمال عبد الناصر، خاصة مع بروز زعامة عبد الناصر العربية، حيث باتت هذه الأغاني نوعاً من الدعاية السياسية الموجهة لا للمصريين فحسب، إنما أيضاً للشعب العربي الذي اعتبر قسم كبير منه عبد الناصر رمزاً و بطلاً للعروبة.

من أبرز الفنانين الذين غنوا لعبد الناصر العندليب الأسمر عبد الحليم حافظ الذي اعتبر ابن ثورة 23 يوليو و الصوت الرسمي الناطق باسمها، فقدم عدداً كبيراً من الأغاني التي ورد فيها إسم عبد الناصر، من بينها : "يا جمال يا حبيب الملايين"، "ناصر يا حرية"، "صورة"، "يا أهلاً بالمعارك"، "بستان الاشتراكية"، و غيرها. 

أما موسيقار الأجيال الذي غنى للملك قبل الثورة، فقد غنى للثورة و الاشتراكية بعد 23 يوليو، فقدم : "ناصر كلنا بنحبك"، "دقت ساعة العمل الثوري"، "يا جمال النور و الحرية"، " كما قدم أوبريت "الجيل الصاعد" الذي شارك فيه عدد من أبرز الفنانين العرب آنذاك، و الذي يقول أحد مقاطعه و الذي غناه عبد الوهاب بنفسه : "ردينا عليك يا جمال وأيدينا فى أيديك يا جمال، وطلعنا معاك يا جمال نبني وياك يا جمال، حيوا معايا قولوا معايا عاش عبد الناصر عاش".

أما كوكب الشرق أم كلثوم فقد غنت : "الزعيم و الثورة"، "تحويل السد"، "ابقى فأنت الأمل"، "يا جمال يا مثال الوطنية"، و "الفجر الجديد"، التي يقول أحد مقاطعها : "وفتاكِ عبدُ الناصرِ بطلُ الكفاحِ الظافرِ، لم تعطِنا الدنيا سواه ولا نريد لها سواهْ، شدّتْ يداهُ لنا الصباحَ من الدّجى، سلمتْ يداهْ"، و كما تغنت كوكب الشرق بالزعيم في حياته فقد تغنت به بعد رحيله حين قدمت قصيدة "رسالة إلى جمال عبد الناصر" للشاعر السوري نزار قباني. 



عهد السادات و مبارك : 

عهد الرئيس السادات لم يشهد ظهور أي أغنية تمجد الرئيس، ربما باستثناء أغنية عبد الحليم حافظ "عاش اللي قال" و التي لم يذكر فيها السادات بالإسم، و إن كان واضحاً أنه هو المقصود بكلمات الأغنية.

عهد مبارك شهد هو أيضاً ظهور بعض الأغاني التي تغنت بالرئيس دون أن تذكره بالإسم، من أبرزها  أوبريت "اخترناه وبايعناه" و أوبريت "أول طلعة جوية فتحت باب الحرية" لمجموعة من الفنانين. 

سوريا : 

تعتبر فترة حكم الرئيس حافظ الأسد الأطول ما بين حكام سوريا في التاريخ المعاصر، حيث امتدت لنحو ثلاث عقود، صدرت خلالها مئات الأغاني و الأناشيد التي مجدت الرئيس و تغنت بعهده، من بين الفنانين السوريين الذين قدموا هذا النوع من الأغاني الفنان مصطفى نصري (زادك الله، وعد القائد، معك الشعب)  و ابنته أصالة نصري (لبيك يا وطن الأباة)، ميادة الحناوي (جبهة المجد ، سوريا يا حرية)، جورج وسوف (تسلم للشعب)، موفق بهجت (رعاك الله، ع جبينك البطولة، الشمس طلعت). 

و من الفنانين العرب غنى للرئيس الأسد موسيقار الأجيال محمد عبد الوهاب (يجعلها عمار)، هاني شاكر (جنة المواعيد) ، سميرة سعيد (سوريا هي الغالية عليا، أبو الرجال)، نجوى كرم (بنرفع ايدينا)، علي حليحل (أبو باسل قائدنا، واجب علينا)، ديانا حداد (نعم إلى الأبد)، و كثيرون غيرهم. 

العراق :

في العراق حكم الرئيس صدام حسين البلاد لنحو ربع قرن من الزمن حفلت بالتمجيد المطلق لشخص الرئيس، حتى لم يبق فنان عراقي تقريباً لم يغني له، بدءاً من كاظم  الساهر (هله يالناذر عمره)، سعدون جابر (تهنّن يا خوات صدام، يا ساري بينا للمعالي)، حسين نعمة (نحبك والله نحبك، بين الشعب و بينك، العزيز انت، صدام أبو الخيالة)، بالإضافة إلى داود القيسي و فاضل عواد و المطربة رباب و صباح السهل و غيرهم الكثير. 



بقية البلدان العربية : 

في لبنان تنتشر بكثيرة الأناشيد الحزبية التي تتغنى بقادة الأحزاب و الطوائف و الحركات السياسية، و لعل الرئيس الحالي ميشيل عون هو من أكثر الزعماء اللبنانيين الذين توجد أغاني باسمهم (عونك جايي من الله، رح نبقى هون، طل القائد عون)، دون أن ننسى الأناشيد االمكرسة للأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله و لزعيم حركة أمل الرئيس نبيه بري و لمؤسس تيار المستقبل رفيق الحريري و مؤسس الحزب التقدمي الإشتراكي كمال جنبلاط و مؤسس القوات اللبنانية بشير الجميل.

و في السعودية عرف الغناء لملوك آل سعود طريقه مبكراً إلى شاشات التلفزة و أثير الإذاعة و لعل من أبرز من غنوا للعائلة السعودية فنان العرب محمد عبده و رابح صقر و طلال مداح و غيرهم الكثير من المطربين السعوديين. 

و في باقي أرجاء العالم العربي أيضاً لم يخلو بلد عربي تقريباً من الأغاني التي تمجد القادة و الحكام، حتى أن هذا النوع من الأغاني طغى في كثير من الأحيان على الأغاني الوطنية التي تتغنى بالوطن و الشهداء و الشعب. 



شاهد أيضاً : 

السبت، 11 مارس 2017

كيف كانت الحياة في عراق صدام حسين ؟


تعودنا منذ ربع قرن أو أكثر أن يقترن اسم العراق في وسائل الإعلام بأخبار الحصار أو القصف الأمريكي أو أخبار التفجيرات الإرهابية و الصدامات الطائفية، و مؤخراً بأخبار جرائم تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابي المتطرف. 
و لكن هل تخيلت يوماً كيف كانت الحياة في العراق قبل أن تجتاحه كل هذه الفوضى ؟ بدراسة تاريخ العراق الحديث يمكن أن نعيد جذور مأساة العراق الحالية إلى إحتلال الكويت عام 1990 و عملية عاصفة الصحراء التي تلته مطلع عام 1991  و تسببت بتدمير بنية العراق التحتية و إضعاف جيشه و قتل مئات الآلاف من أبناءه، بعد هذا تتالت المآسي على شعب الرافدين من الثورة الشعبية الفاشلة بعيد حرب الخليج عام 1991 إلى الحصار الأمريكي الخانق و الذي أودى بحياة مئات الآلاف و خاصة الأطفال، إلى الغزو الأمريكي في 2003 و ما تلاه من فوضى و إرهاب ما يزال العراق و شعبه يعيشان فصولها تباعاً حتى يومنا هذا.
صحيح أن تاريخ العراق قبل العام 1991 لم يكن صفحة ناصعة البياض حيث شهد العديد من الأحداث التي هزت المجتمع العراقي بعنف و بخاصة حرب الثماني سنوات مع إيران و الحرب مع الأكراد في الشمال و ما تخللها من مآس و مجازر، و عمليات القمع الواسعة التي كان نظام  صدام حسين يقوم بها ضد المعارضين، إلا أن العراق ظل محتفظاً إلى حد بعيد بعافيته الاقتصادية و الاجتماعية حتى عشية حرب الخليج الثانية و التي تعرف أيضاً باسم "حرب تحرير الكويت" أو "عاصفة الصحراء" أو كما أطلق عليها نظام صدام  حسين آنذاك "أم المعارك".
من الأفلام الوثائقية النادرة و القيمة اخترنا لكم فيلماً وثائقياً قامت قناة أمريكية بتصويره في العراق عشية عملية عاصفة الصحراء و تحديدأً في الفترة الواقعة بين غزو الكويت في آب أغسطس 1990 و انطلاق العملية العسكرية الدولية ضد العراق في كانون الثاني يناير 1991، و هي الفترة التي وصل التوتر خلالها بين العراق و الغرب إلى أقصى درجاته في حين كانت الولاياة المتحدة الأمريكية و حلفائها يحشدون القوات و الأساطيل في السعودية و الدول المحيطة استعداداً لعملية تحرير الكويت و التي تبين لاحقاً أنها كانت أيضاً عملياً تدمير العراق و إعادته قروناً إلى الوراء
 في هذا الفيلم تحاول القناة الأمريكية التركيز على توتاليتارية النظام العراقي الحاكم و قسوته، لكنها في نفس الوقت تضيء عن قصد أو غير قصد على كثير من الجوانب الهامة في المجتمع العراقي آنذاك بدءاً من العافية الاقتصادية و التحرر النسبي الموجود في المجتمع وصولاً إلى التنوع الديني و الطائفي و الثقافي الذي كان العراق قد استطاع حتى ذلك الوقت الحفاظ على جزء كبير منه، كل هذه الأمور تجعل من هذا الوثائقي الذي يمتد لنحو ساعة و ربع مادة هامة توثق اللحظات الأخيرة في حياة مجتمع تم تهشيمه بكل الوسائل الممكنة بعد أن أحكمت القوى الإمبريالية قبضتها عليه و قررت سحقه و إغراقه في جحيم الدم و الدمار