الثلاثاء، 23 يونيو 2020

حكاية عشيقة ولي عهد بريطانيا التي تزوجت مصرياً ثم قتلته في "جريمة كاملة" !




في الساعة الثانية من صباح يوم الثلاثاء العاشر من تموز يوليو سنة 1923 علت أصوات شجار من غرفة الوجيه المصري علي فهمي وزوجته الفرنسية في فندق سافوي اللندني الفاخر، وحين هرع أحد الخدم إلى الغرفة ليطلب من الزوجين أن يخفضوا أصواتهم مراعاة لبقية النزلاء فوجئ بصوت أربع طلقات نارية يدوي بين جنبات الفندق وبالزوج الشاب ابن الثلاثة والعشرين ربيعاً غارقاً في دمائه في حين وقفت بجواره الزوجة مارجريت لورينت أو ماجي كما كانت تحب أن تنادى وبيدها مسدس من نوع  كاليبر-32. 

ولدت بطلة قصتنا مارجريت لورينت في باريس عام 1890 لأسرة فقيرة، وفي سن السادسة عشرة حملت من علاقة غير شرعية وأنجبت بنتاً، عاشت بعدها حياةً صعبة وغير مستقرة حتى تعرفت على شخص تدبر لها عملاً كبائعة هوى في بيت الملذات الباريسي الراقي ميزون دي راندي فو والذي كان كل زبائنه من الأمراء والأثرياء وعلية القوم. 


مارجريت لورينت خلال عملها كبائعة هوى في باريس

في عام 1917 تعرفت مارجريت على الأمير إدوارد أمير ويلز وولي عهد بريطانيا والملك المستقبلي، والذي كان يقيم في باريس كضابط في القوات البريطانية المشاركة في المعارك على الجبهة الغربية في الحرب العالمية الأولى، انخرط الاثنان في علاقة حب عاصفة، استمرت لنحو العام وانتهت مع مغادرة الأمير إدوارد لباريس بعدما وضعت الحرب أوزارها عام 1918. 

في عام 1922 زارت مارجريت مصر برفقة أحد عشاقها وخلال حفلة في فيلا بالزمالك التقت بالثري علي بيه فهمي الذي كان يصغرها بعشر سنوات، كان علي شاباً متهوراً ورث ثروة طائلة عن والده الراحل، وقد عرفت مارجريت الخبيرة والمتمرسة في عالم الرجال كيف توقع المليونير الشاب في حبائل هواها، ففتن بها حتى الجنون، وطاردها إلى باريس حيث ركع عند قدميها متوسلاً أن تقبل الزواج به، وبالفعل فقد تزوج الشاب الأرعن والغانية اللعوب مدنياً في باريس في كانون الأول ديسمبر 1922  ثم على الطريقة الإسلامية في مصر في كانون الثاني يناير 1923. 


مارجريت في مصر بعد زواجها من علي فهمي

عاش الزوجان في قصر الزوج الفاخر في حي الزمالك، وفي الأول من تموز يوليو سنة 1923 سافر الزوجان إلى لندن في رحلة ترفيهية مع سكرتير خاص وخادمين، وفي العاصمة البريطانية فوجئ الزوج بالسلوك الغير محتشم لزوجته فراح يعنفها ويتشاجر معها حتى وصل به الأمر إلى ضربها في أكثر من مناسبة، في النهاية لم تستطع مارجريت تحمل تلك المشاحنات أكثر من ذلك، فأقدمت صبيحة  يوم العاشر من تموز يوليو على قتل زوجها بعد شجار عنيف دار بينهما بسبب رفض الزوج سفرها إلى باريس لزيارة ابنتها الغير شرعية. 

حظيت محاكمة مارجريت لورينت باهتمام منقطع النظير في مصر وفرنسا وبريطانيا على حد سواء، فأوفدت دار الأهرام أحد صحفييها ليغطي أحداث المحاكمة لحظة بلحظة، في حين بلغ اهتمام العامة في لندن بالقضية أن البعض كان يبيعون مقاعدهم في قاعة المحكمة لمن يرغب مقابل مبالغ مالية كبيرة.


قصر علي فهمي في الزمالك الذي ورثته بعد وفاته أخته عائشة التي كانت متزوجة من عميد المسرح العربي يوسف وهبي واليوم تحول القصر إلى مركز للفنون 

وفي حين كان من المفترض أن تبت المحكمة في القضية سريعاً كونها قضية واضحة لا لبس في أحداثها خاصة أن القاتلة قد اعترفت بجرمها بعد أن القي القبض عليها وفي يدها سلاح الجريمة، إلا أن جلسات المحاكمة حملت مفاجآت غير متوقعة غيرت مسار القضية بشكل كامل، فقد تعاقدت مارجريت مع إدوارد مارشال أحد ألمع المحاميين في لندن آنذاك، والذي كان شهيراً ببلاغته وأدائه المسرحي، فقد حول مارشال موكلته من قاتلة إلى ضحية مسكينة لزوجها الشرقي المتوحش، هكذا وصف المحامي الزوج المغدور بأنه : "وحش تمثل فيه الانحلال والانحطاط الشرقي" وبأنه : "ذو ميول جنسية سادية وغير أخلاقية تجاه زوجته الأوروبية الضعيفة والعاجزة"، وأضاف عارضاً قراءته للقضية : "نحن يا حضرات أمام امرأة غربية اقتيدت بحيلة شرقية ماكرة من قلب الحضارة إلى ظلام الصحراء، لتقضي شهر العسل بين وحوشها وزواحفها، وتعرضت منذ ذلك الحين لمحنة لم تدع لها إرادة وحولتها إلى كائن مذعور خائف، امرأة لم تنو القتل ولم تقتل، بل انطلقت منها رصاصة قتلت ذئبًا بريًا كان يهم بافتراسها، فإذا أردتم أن تسموه قتلا خطأ فهو كذلك، وإذا أردتم أن تسموه دفاعًا شرعيًا عن النفس فهو كذلك".هذا في حين شنت الصحف البريطانية حملة عنصرية منظمة راحت تصف كل الرجال الشرقيين بأنهم برابرة متوحشون، كل هذا أدى لتعاطف المحكمة والرأي العام مع مارجريت التي ظهرت بثوب الحمل الوديع، وبخاصة بعدما نجحت في إخفاء ماضيها المشين عن المحكمة والرأي العام. 


الزوج المغدور علي فهمي

مع نهاية المحاكمة فوجئ الجميع وبخاصة أسرة الزوج المغدور بحكم البراءة الذي أصدرته المحكمة بحق الزوجة القاتلة، بل إن مارجريت رفعت قضية ضد أسرة زوجها طالبت فيها بحقها من ميراثه، لكن المحاكم المصرية رفضت القضية من أساسها. كل هذا جعل الصحافة تصف ما قامت بها مارجريت بالجريمة الكاملة ! فكيف لسيدة أن تقتل زوجها وتعترف بجريمتها ثم تخرج من القضية بالبراءة التامة  ودون أن تقضي ولو يوماً واحداً في السجن ؟! 

عاشت مارجريت بقية حياتها في شقة صغيرة في باريس، في حين احتفظت حتى آخر حياتها بالرسائل الغرامية التي أرسلها لها الأمير إدوار أثناء علاقتهما، يقول المقربون منها أنها كانت تعتبر تلك الرسائل بمثابة تأمين على حياتها، وفي حين يعتقد البعض أن حكم البراءة الذي حصلت عليه مارجريت في قضية قتل زوجها تعود لعنصرية المحكمة وانحيازها للزوجة الأوروبية ضد الزوج الشرقي، إلا أن كثيراً من المؤرخين الذين أعادوا دراسة القضية مؤخراً يعتقدون أن القطبة المخفية في هذه القضية تعود لتدخل صديق قديم للمتهمة ألا وهو الأمير إدوارد للضغط على المحكمة وذلك بعد أن لوحت مارجريت بقدرتها على تفجير فضيحة تهز الأسرة المالكة فيما لو تمت إدانتها من قبل المحكمة البريطانية. 


الملك إدوارد الثامن 

أما في مصر فقد أثرت قصة علي فهمي وزوجته الفرنسية في المجتمع، وأثارت كثيراً من الجدل حول طبيعة العلاقة بين الرجل الشرقي والمرأة الأوروبية خاصة أن كثيراً من المصريين آنذاك وبخاصة طبقة الأثرياء والمتعلمين كانوا متزوجين من أجنبيات، وبذلك أوحت هذه القضية بقصة أول فيلم مصري ناطق صدر عام 1932 وحمل عنوان "أولاد الذوات" ولعب دور البطولة فيه يوسف وهبي (الذي كان متزوجاً من شقيقة علي فهمي السيدة عائشة فهمي)، كما قدم نجيب الريحاني عام 1934 فيلماً آخر حمل عنوان "ياقوت" تناول القضية ذاتها. 

هناك تعليق واحد:

  1. لكل إمرئ من أمره ما سعى...استكبر السيد على نساء بلاده بالارتباط ببمومس فقتل غير مأسوف عليه

    ردحذف